كتبت : سودة هنو
شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيدًا غير مسبوق منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا عسكريًا منسقًا على إيران في 28 فبراير 2026، استهدف مواقع سيادية وعسكرية في العاصمة طهران وعدد من المدن، وأسفر عن اغتيال قيادات بارزة على رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، إضافة إلى استهداف منشآت عسكرية ونووية وبنى تحتية حيوية، ولم يقتصر الصراع على الضربات المباشرة، بل سرعان ما اتسع ليشمل أطرافًا إقليمية متعددة، حيث ردّت إيران بضربات صاروخية ومسيّرة استهدفت مواقع داخل إسرائيل وقواعد ومصالح أمريكية في دول الخليج، كما انخرط حزب الله في المواجهة عبر هجمات على شمال إسرائيل، وتوسعت العمليات لتشمل الجبهة اللبنانية، في حين دخلت جماعة أنصار الله (الحوثيون) على خط التصعيد، ما أدى إلى تعدد جبهات القتال وتحول الصراع إلى أزمة إقليمية مفتوحة،ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فإن استمرار العمليات العسكرية يهدد بوقوع كارثة إنسانية واسعة النطاق.

مضيق هرمز.. نقطة الاختناق العالمية
وتصاعدت المخاوف الدولية مع إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط عالميًا، مما أدى إلى تهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي، في ظل مرور نحو 20% من إمدادات النفط عبره، كما برزت مخاوف أعمق تتعلق بإمكانية توسع الصراع ليشمل قوى دولية كبرى، خاصة مع التوتر بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من الصين وروسيا من جهة أخرى، إلى جانب القلق من استمرار سياسات تغيير الأنظمة بالقوة واستهداف القيادات السياسية، وهو ما قد يعيد تشكيل النظام الدولي، وتعكس هذه التطورات حالة من عدم الاستقرار الاستراتيجي، خاصة في ظل اعتماد اقتصادات كبرى مثل الصين على نفط الخليج بنسبة تصل إلى أكثر من 70% من احتياجاتها، مما يجعل أي اضطراب في الإمدادات تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي، وفي تصريحات رسمية، حذّرت وزارة الخارجية الصينية من “تداعيات خطيرة على الاستقرار العالمي إذا استمر التصعيد في منطقة الخليج”، مؤكدة ضرورة حماية خطوط التجارة الدولية.
التداعيات الإقتصادية للحرب
وعلى الصعيد الاقتصادي، خلّفت الحرب تداعيات واسعة النطاق، حيث أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في قطاعي النفط والغاز، وارتفاع أسعار الطاقة بشكل ملحوظ، إذ تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار قبل إعلان الهدنة، نتيجة توقف نحو 20% من الإمدادات العالمية بسبب تعطّل الملاحة في مضيق هرمز. كما شهدت الأسواق المالية تقلبات حادة، وتأثرت حركة الشحن والنقل البحري، ما انعكس على التجارة الدولية. وتكبدت الدول خسائر اقتصادية ضخمة، إذ بلغت تكلفة الحرب بالنسبة للولايات المتحدة نحو 12 مليار دولار، فيما وصلت خسائر إسرائيل إلى قرابة 15 مليار دولار، بينما تكبدت دول الخليج خسائر تتراوح بين 18 و20 مليار دولار نتيجة تراجع إنتاج النفط والغاز وتعطل المرافق الحيوية. كما تضررت الصين بشكل خاص، نظرًا لاعتمادها على واردات النفط من الخليج، خاصة النفط الإيراني منخفض التكلفة، ما يهدد بارتفاع تكاليف الإنتاج وتعميق التبعية لمصادر بديلة مثل روسيا، وأفاد صندوق النقد الدولي أن اضطراب أسواق الطاقة أدى إلى ضغوط تضخمية عالمية متسارعة.
تطورات ميدانية و خسائر بشرية
وشهدت الحرب تطورات ميدانية متسارعة، حيث تبادلت الأطراف ضربات مكثفة استهدفت منشآت عسكرية ونفطية وبنى تحتية في عدة مناطق، فشملت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية مدنًا إيرانية مثل طهران وأصفهان وكرمنشاه، إضافة إلى منشآت في حقل فارس الجنوبي للغاز، بينما استهدفت إيران وحلفاؤها مواقع استراتيجية داخل إسرائيل، منها محيط تل أبيب وميناء حيفا ومفاعل ديمونا، إلى جانب ضربات واسعة في دول الخليج طالت منشآت نفطية ومطارات ومرافق حيوية. وأسفرت هذه العمليات عن خسائر بشرية كبيرة، حيث قُتل آلاف الأشخاص، بينهم ما يزيد عن 1700 مدني في إيران، إضافة إلى مئات القتلى في لبنان ودول أخرى، فضلًا عن خسائر في صفوف القوات الأمريكية والإسرائيلية. وعلى الصعيد السياسي، أصدر مجلس الأمن قرارًا يدين الهجمات، بينما فشل في تمرير قرارات أخرى بسبب الفيتو الروسي والصيني، ما يعكس تعقيد المشهد الدولي.
تحركات دبلوماسية و محاولات التهدئة
وفي ظل هذا التصعيد، برزت تحركات دبلوماسية مكثفة لاحتواء الأزمة، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 أبريل 2026 التوصل إلى هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين مع إيران، مؤكدًا أن بلاده “حققت أهدافها العسكرية”، وذلك بعد تهديدات سابقة بأن “حضارة كاملة قد تفنى” إذا لم تُفتح الممرات البحرية. وبموجب الاتفاق، وافقت إيران على إعادة فتح مضيق هرمز بشكل مؤقت، وطرحت خطة من 10 نقاط تتضمن وقفًا شاملًا للحرب في جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والالتزام بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مقابل ضمانات دولية وتعويضات. كما دعمت الأمم المتحدة هذه الجهود، إلى جانب وساطات قادتها باكستان وتركيا ومصر، في محاولة للوصول إلى تسوية شاملة تضمن استقرار المنطقة، رغم استمرار الخلافات بين الأطراف، خاصة مع تأكيد بنيامين نتنياهو أن وقف إطلاق النار لا يشمل الجبهة اللبنانية، ما يبقي احتمالات التصعيد قائمة، وأكدت الحكومة الباكستانية أن “الهدنة تمثل خطوة أولى نحو مسار تفاوضي شامل لإنهاء الأزمة”.

رؤية تحليلية: أسباب الصراع من منظور استراتيجي
اللواء جمال رشاد، خبير سياسي، قال: إن الأسباب الرئيسية للتصعيد الحالي مع إيران تتمثل في أن الحروب التي يشنّها الكيان الإسرائيلي على بعض دول الشرق الأوسط تنبع من حلم التوسع أو ما يُعرف بالأرض الموعودة أو حدود إسرائيل الكبرى، استنادًا إلى أسفار التوراة وتعاليم التلمود، حيث يعتقدون أن الرب أعطى عهدًا لسيدنا إبراهيم بمنح نسله الأرض من نهر مصر إلى نهر الفرات، ما يفسر سعيهم للسيطرة على أراضٍ في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا وأجزاء من العراق والكويت، إضافة إلى مناطق من شمال السعودية وجزء من مصر، وأن هذا الهدف العقائدي والاستراتيجي دائماً ماتتحرك نحوه حكومات اليمين المتطرف المتعاقبة، وهذا التوجه يفسر استمرار الحروب بمنطقة الشرق الاوسط وسعي إسرائيل لإضعاف أي دولة تعرقل تنفيذ هذاالمشروع سواء بالعمل العسكري أو بوسائل أخري.
السيناريوهات المحتملة و مستقبل الأزمة
وأوضح : ان إيران تمثل إحدى هذه القوى، خاصة مع تنامي قدراتها العسكرية واحتمالات امتلاكها سلاحًا نوويًا علي المدي القريب، ما دفع إسرائيل لمحاولة إضعافها عبر إستمالة حكومة الولايات المتحدة الامريكية وإقناعها بأن ضربات جوية سريعة وتنفيذ اغتيالات لأهم القيادات ، قد تُسقط النظام الإيراني ومن ثم إقامة نظام موالٍ يضمن السيطرة على ثروات إيران النفطية ومنابع الغاز ومنع وصولها إلى الصين وروسيا.، وجاءت التطورات عكس التوقعات حيث صمدت إيران بل وردت الضربات باستهداف القواعد الأمريكية في الخليج بل وضرب أهداف استراتيجية داخل عمق الكيان الإسرائيلي، ما أسفر عن خسائر كبيرة للطرفين بالاضافة إلي إحداث تأثيرات اقتصادية سلبية علي معظم دول العالم ، خاصة مع سيطرة ايران على أهم ممر مائي يمر من خلاله نحو 20% من النفط العالمي، كما أن الصراع الجاري حاليا يرتبط بحلم التوسع الإسرائيلي مدعومًا بالأطماع الاقتصادية الأمريكية.
وأضاف: أن أخطر السيناريوهات تتمثل في عدم صمود الهدنة، ومتوقع إفشالها من جانب الكيان الاسرائيلي تمهيدًا لاستئناف الضربات الأمريكية، مع احتمال استهداف البنية التحتية الإيرانية مثل محطات الطاقة والجسور والمرافق الحيوية، ولم يستبعد استخدام هجمات نووية تكتيكية ذات تأثير محدود لحسم الصراع، ما قد يؤدي إلى إنهاء قدرة إيران ويفتح المجال أمام الولايات المتحدة للسيطرة على مضيق هرمز، وفرض رسوم علي الدول المستخدمة له بما يهدد بفرض أعباء اقتصادية كبيرة على دول الخليج، وغالبية دول العالم، كما أثرت الحرب بالفعل على الاقتصاد العالمي حيث تعطلت سلاسل الإمداد خاصة فيما يتعلق بناقلات النفط والغاز، وارتفعت أسعار البترول من 72 دولار إلى 110 دولاراً للبرميل مع توقعات باستمرار الزيادة في حال استمرار تلك الحرب ، ما دفع دولًا لاتخاذ إجراءات تقشفية انعكست في ارتفاع أسعار الوقود عالميًا.
مسارات الحل و التسوية الدولية
وأشار : ان العالم يترقب حاليا نتائج مفاوضات إسلام أباد في باكستان بمشاركة مسؤولين أمريكيين وإيرانيين وبرعاية باكستان ومساهمات من مصر وتركيا لدفع الأطراف نحو الحوار، مع أمل أن تسفر هذه الجهود عن اتفاق نهائي ينهي الحرب ويعالج الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وعلاقات إيران الإقليمية، وأن الحل يكمن في نقل الملف النووي الإيراني بشفافية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة باعتبارها الجهة المختصة بتقييم مدى التزام إيران بالمطلوب منها في هذا الأمر، مع الالتزام بالسماح بعمليات تفتيش دورية وشاملة وفتح المنشآت النووية أمام الرقابة الدولية بشكل دائم، والعمل على اتفاق دولي يضمن عدم تطوير أسلحة نووية مقابل رفع تدريجي للعقوبات، وتفعيل دور المؤسسات الدولية وعدم انفراد أي دولة بدور “شرطي العالم”، وفتح قنوات حوار إقليمي مباشر بين دول الشرق الأوسط والعمل على تسوية النزاعات بطرق سياسية ودبلوماسية لتحقيق الاستقرار.

الأهداف الإسرائيلية وأبعاد الصراع
د. أحمد فؤاد أنور، خبير في الشؤون الإسرائيلية، قال: إن الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل من العدوان على إيران هي تحقيق الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، وتكون هي المسيطرة على موارده، وأن ترسم سياساته من خلال الردع، وتضع يدها على منابع البترول، وأن تُصوّر نفسها على أنها قادرة على البطش بأي جهة معادية أو أي طرف يمكن أن يمثل مقاومة لها، حتى لو كانت مقاومة اقتصادية أو إعلامية.
وأوضح: الجانب الإسرائيلي يُمنّي النفس بحرب قصيرة خارج أراضيه، وأن يتم حسمها من خلال توريط أطراف أخرى في المعركة إن أمكن، فهذه ركائز تقوم عليها المساعي الإسرائيلية لحرب خاطفة بالشراكة مع الولايات المتحدة، وفي هذا أيضًا جانب من الحرب النفسية، حيث بدأت المعركة بانتهاك مسار التفاوض، وأثناء التفاوض تم استهداف رأس الدولة في إيران، وكانت إسرائيل تُعوّل على حدوث استسلام إيراني أو هجمات من متظاهرين ومثيرين للشغب على مقرات النظام، وبالتالي إسقاطه من الداخل، كما كانت تتمنى أن ينقض الأكراد من حدود البلاد إلى العاصمة طهران لإسقاط النظام، إلا أن الأكراد أقل من عشرة في المئة من جملة السكان ولا يستطيعون ذلك، فتعثرت هذه الخطط، وبالتالي تلقت إسرائيل ضربات موجعة في الداخل الإسرائيلي، واستمرت الحرب أربعين يوماً، وفشلت في تحقيق أهدافها.
وأضاف: أن التنسيق كامل بين الولايات المتحدة والجانب الإسرائيلي، لكن أعتقد أن هناك تقاطع مصالح، بمعنى أن الطرفين لديهما مصالح في إضعاف النظام الإيراني أو إزاحته بالكامل وإسقاطه، والتصدي للنفوذ الروسي في هذه المنطقة، والإضرار بالصين بوصفها المستورد الأول للبترول من إيران، فطبيعة العلاقة تقوم على تقاطع مصالح، لكن على الأرض وعند التنفيذ العملي وُجد تخبط، وكان هناك انفراد من الولايات المتحدة بالتفاوض وبقرار إنهاء الحرب، مع عدم تنفيذ المهل التي تم مدها مرارًا، بما أفقدها قيمتها.
انعكاسات الحرب على استقرار المنطقة
وأشار: هذا الصراع يؤثر على استقرار المنطقة بشكل حاد وغير مسبوق، حيث هناك شلل في الاقتصاد، وتخوفات من تعطّل حركة الملاحة في الممرات البحرية التي أصبحت مغلقة إلى حد بعيد، حتى باب المندب أصبح مهددًا بعد دخول الحوثيين في المواجهة بإطلاق عدد من الصواريخ على إسرائيل، كما أعتقد أن الجانب الصيني وربما الروسي يساند بشكل كبير الجانب الإيراني عبر سلاسل إمدادات السلاح، وقد ظهر ذلك في إسقاط طائرات أمريكية مسيّرة، وكذلك إسقاط عدد من الطائرات المأهولة، وإصابة طائرة شبح من طراز F-35، وهي ضربات موجعة للجانب الأمريكي، ومع مرور أسابيع من الحرب ظهرت تطورات كبيرة، حيث استطاعت إيران إسقاط طائرات وملاحقة الطيارين، ما يعكس أجواء تؤثر على المنطقة وتهدد استقرارها، وقد تنجرف معها مصالح المهاجمين والأطراف المحايدة، وحتى الدول التي كانت تقوم بدور الوسيط مثل سلطنة عمان وقطر، حيث تضررت هي الأخرى، أن هذه أمور غير مسبوقة ونتمنى في النهاية أن يتم احترام سيادة الدول والقانون الدولي وإنهاء هذا العدوان ودعم جهود استقرار المنطقة.